حلّ “الدولة الواحدة في فلسطين”
مدى واقعيته وإمكانية تحقيقه؟
وما هي المعوقات التي تحول دون ذلك؟
من خلال تفحص ما طرحه “الكتاب الأبيض” عن “حلّ الدولة الواحدة دولة إسراطين” والذي طرحه الزعيم معمرّ ” أسوق بعض الملاحظات التي أغفلها هذا الحلّ والتي تمثل عقبات جوهرية تحدّ من إمكانية تجسده عمليا:
- فلسطين كيان غير منفصل عن بعديه العربي والإسلامي
النظرة الإقليمية للمشكلة لا تضعها في إطارها الصحيح، ففلسطين لم تكن عبر التاريخ كيانا منفصلا بذاته عن بعديه العربي والإسلامي وعليه فإن أيّ حلّ لا يراعي هذه الخصوصية لن يكون حلاّ قابلا للتحقيق لأن التفاعلات التي ستتمخض عن تلك العلاقة الوجودية بين فلسطين والبيئة العربية الفلسطينية الحاضنة لها ستحمل في طياتها معوقات الحلّ كما قد تحمل ملامح تحققه بمعنى أن هذا الحلّ الذي يتجاهل أن فلسطين هي أرض عربية ملك لكل الأجيال العربية الحاضرة والمستقبلة والذي لا يراعي أن بيت المقدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين وهي بذلك من أولى المقدسات عند المسلمين. في المقابل يركز الكتاب الأبيض على قداسة الضفة الغربية بالنسبة لليهود أكثر من تركيزه على قداسة القدس بالنسبة للمسلمين والمسيحيين أيضا، هذا الحلّ يقدم نظرة استعطافية لليهود الذين لن تنطلي عليهم هذه المزاعم، كما المسلمون.
من هنا نقول إن فلسطين أرض عربية وهي ملك لكل الأجيال العربية وهي أرض مقدسة للمسلمين والمسيحيين قبل أن تكون أرضا مقدسة بالنسبة لليهود الذين يزعمون ملكيتها التاريخية ويقلبون الأرض عبثا باحثين عن دلائل أثرية تؤكد هذه المزاعم الكاذبة.
- إسرائيل دولة استعمارية علمانية وليست دولة يهودية
إن الوجود اليهودي على أرض فلسطين هو وجود مستحدث ورغم كونه بني على أساس عقيدة دينية في ظاهره إلا أنه كان وجودا سياسيا منذ البدء حيث عمد الاستعمار البريطاني إلى استجلاب أعداد من اليهود لتوطينهم في المنطقة ومدهم بأسباب النفوذ والهيمنة على السكان الأصليين ليضمنوا ولاءهم لسلطته ثم يوظفهم فيما بعد للسيطرة على المنطقة وقد تلاقت هذه الفكرة مع المشروع الصهيوني الذي يبحث عن وطن بديل وقد أجبر اليهود على هذا الاختيار بعد أن طرحوا بدائل استيطانية أخرى لمشروعهم.. بذلك تسقط كل الحجج التي بنيت عليها فكرة حلّ الدولة الواحدة كون هذه الدولة ستكون دولة يهودية وإسلامية لأن إسرائيل اليوم رغم ظاهرها الديني إلا أنها دولة استعمارية علمانية لا بل هي دولة لائكيه.
- الحل لا يمكن أن يسقط أو يفرض على طرفي النزاع
هذا الحلّ مبني على فرضية قبوله من الطرفين وأنا أؤكد أنه من الناحية الواقعية يبدو حلا منصفا ولكن لكلا الطرفين نظرة أخرى للحلّ فكيف سيتحقق حل الدولة الواحدة وأصحاب القرار غير مكترثين به.
إسرائيل هي دولة خاضعة لسيطرة أحزاب تتفق جميعها على أن الفلسطيني شرّ دائم مهما كانت بشاشته وهشاشته ورضوخه والحلّ عندهم هو التخلص من هذا الفلسطيني بإحالته إلى محيطه العربي وإلحاقه بجيران إسرائيل وقتها ستكون فلسطين (إسرائيل) دولة لليهود ويكون الفلسطينيون في دول تشاركهم نفس النسيج الاجتماعي والثقافي.. وهذه هي الرؤيا السائدة حاليا في الأوساط الصهيونية المسيطرة على القرار. كما أن الرؤيا المسيطرة والممكنة لدى الفلسطينيين هي الاقتناع بما يتاح حاليا من الأرض ومن مصادر الاستقلال والسيادة ثم النضال بشتى الوسائل حتى تحقيق مكاسب أكثر فأكثر وحتى تحرير فلسطين كلّ فلسطين وهذا ليس حلما ولكن الفلسطينيين “معتدلون” ومقاومون يؤمنون بهذا الحل الممكن حسب رأيهم.. ورغم إقراري أن كلّ من الفلسطينيين والإسرائيليين لم يحققوا ما ينشدون، إلا أنني على ثقة أنهم سيحاولون كل على حدة تحقيق هذه المطامح رغم تناقض المشروعين وإلغاء كلّ منهما للآخر.
- الدولة الواحدة الديمقراطية العادلة “الأفلاطونية” كيف ستتحقق؟
المقدم على أنه تجربة واقعية لهذه الدولة سواء قبل 67 أو الآن من العيش المشترك بين الفلسطينيين واليهود داخل دولة إسرائيل لا يمثل أيّ قياس، فرغم تمتع الفلسطينيين بحق التمثيل النيابي ورغم وجود ممثلين عنهم داخل الكنيست إلا أن الفلسطينيين في داخل 48 يعيشون حالة من الحصار والممارسات الاستعمارية من طرف دولة الأغلبية وهم مواطنون درجة أخيرة لا يتمتعون بغالبية الحقوق التي يتمتع بها اليهود وهذا نابع أيضا من التركيبة العدائية لليهود وهي فلسفة صهيونية مبنية على العدائية واستعباد الآخر وقهره وتسخيره لخدمة هذا الشعب الذي يزعم أن ذلك هو تفويض من الله. فكرة الاندماج هذه ستصطدم بعائقين الأول قانوني وهي جملة القوانين التمييزية التي لن تمنح العرب حقوقهم كاملة وستقفل الأبواب أمام أي نضال من شأنه أن يغيّر هذه القوانين وهي أيضا ستصطدم بالطبيعة العنصرية للصهيونية التي لن تتنازل عنها طوعا وستحارب من يحاربها من العرب وحتى اليهود.
- العائق السكاني
لو كتب لهذه الدولة الوجود فإنها ستكون دولة ذات غالبية فلسطينية وهذا بحساب عدد الفلسطينيين المقيمين خارج حدود فلسطين والذين سيهرعون إلى وطنهم الأصلي وهو ما سيجعل اليهود أقلية كبيرة داخل هذه الدولة والديمقراطية التمثيلية تقتضي أن يكون رأس هذه الدولة لصاحب التمثيل الأكبر أي الطرف العربي، وهو ما لا يرضاه صاحب السيادة الحالي. فكيف سيتنازل الإسرائيليون عن دولتهم الحالية ليصبحوا أقلية أو معارضة في دولة بديلة؟ التجربة التوافقية اللبنانية ليست تجربة رائدة ولو كان في لبنان طائفة يهودية ذات تمثيل لفشلت هذه الدولة أو لأصبحت مقاطعة إسرائيلية.. وقد وردت التجربة اللبنانية على سبيل المقارنة في “الكتاب الأبيض” الذي دعا لفكرة الدولة الواحدة.. اليهود يعلمون هذه الحقيقة وهذه الدولة إن قامت سيكون من الصعب اشتراط عدم قبول أية هجرة يهودية فستكون مطلبا يهوديا بالتناظر مع مطلب عودة اللاجئين إلى وطنهم الأمّ، فهل ستكون فلسطين قادرة على استيعاب كل هؤلاء الوافدين؟
خلاصة
من تفحصي لهذا الطرح “الدولة الواحدة الديمقراطية العادلة” يتبين لي أنها فكرة غير واقعية لأنها تجاهلت الطبيعة السياسية والوجودية للقضية الفلسطينية وركزت على بعدها الديني والذي أراه بعدا ذو تأثير ثانوي. فاليهود الذين استجلِبوا إلى إسرائيل لم يأتوا حجيجا إلى أرض الميعاد يمسكون توراتهم ويرتدون قبعاتهم رغم كون ذلك كان أحد أركان الدعاية الصهيونية وكان الركن الآخر لهذه الدعاية هو الوعد بحياة أفضل.
إن التركيبة الحالية لسكان إسرائيل هي تركيبة عنصرية معقدة بعدد القوميات المستجلبة والذي يجمع بينها ليست الديانة اليهودية كما يعتقد البعض وإنما هو المصير المشترك لهذه الجماعات التي آمنت بالفكرة الصهيونية وحصدت ثمارها وهي مستعدة للتضحية من أجل تلك الأفكار بالقدر الذي تتطلبه التحديات المحيطة مع احتساب أن لا شيء يساوي منعة الحياة عند الصهاينة لذلك هم غير مستعدون للتنازل عن انطوائهم الذي يعتبرونه حصنا يجنبهم تبعات الاختلاط بالآخر.
مع هذه الطبائع الاجتماعية لا يمكن أن تبني أواصر ثقة تمتد لتصبح جسرا يقود إلى مجتمع مختلط.
فلسطين لن تكون إلا لمن يستطيع أن يفرض ذاته على الآخر. هذه المرحلة تشهد تفوقا صهيونيا وعدم تكافؤ في الإمكانات المادية والسياسية لكلا المتصارعين ولكن لذلك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ